سيد محمد طنطاوي

540

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بذلك يسلكون طريق الحق ، ويتركون طريق الباطل . فالمقصود بهذه الجملة الكريمة ، الشهادة من اللَّه - تعالى - بأن هذا القرآن الذي أنزله - سبحانه - على نبيه صلى اللَّه عليه وسلم فيه من الأمثال الكثيرة المتنوعة النافعة ، ما يرشد الناس إلى طريق الحق والخير ، متى فتحوا قلوبهم له . وأعملوا عقولهم لتدبره وفهمه . ومفعول « صرفنا » محذوف ، و « من » لابتداء الغاية ، أي : ولقد صرفنا البينات والعبر والحكم في هذا القرآن ، من أنواع ضرب المثل لمنفعة الناس ليهتدوا ويذكروا . ثم بين - سبحانه - موقف الإنسان من هذه الأمثال فقال : * ( وكانَ الإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا ) * . والمراد بالإنسان : الجنس ، ويدخل فيه الكافر والفاسق دخولا أوليا . والجدل : الخصومة والمنازعة مع الغير في مسألة من المسائل . أي : وكان الإنسان أكثر شيء مجادلة ومنازعة لغيره ، أي : أن جدله أكثر من جدل كل مجادل . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية : ولقد بينا للناس في هذا القرآن ، ووضحنا لهم الأمور ، وفصلناها ، كيلا يضلوا عن الحق . . ومع هذا البيان ، فالإنسان كثير المجادلة والمعارضة للحق بالباطل ، إلا من هدى اللَّه وبصره لطريق النجاة . قال الإمام أحمد : حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب . عن الزهري قال : أخبرني علي بن الحسين ، أن الحسين بن علي أخبره ، أن علي بن أبي طالب أخبره . أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم طرق عليا وفاطمة ليلة فقال : « ألا تصليان ؟ فقلت : يا رسول اللَّه ، إنما أنفسنا بيد اللَّه . . فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا . فانصرف حين قلت ذلك ولم يرفع إلى بشيء ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول : وكان الإنسان أكثر شيء جدلا » « 1 » . وفي التعبير عن الإنسان في هذه الجملة بأنه « شيء » وأنه « أكثر شيء جدلا » إشعار لهذا الإنسان بأن من الواجب عليه أن يقلل من غروره وكبريائه . وأن يشعر بأنه خلق من مخلوقات اللَّه الكثيرة ، وأن ينتفع بأمثال القرآن ومواعظه وهداياته . . لا أن يجادل فيها بالباطل . ومنهم من يرى أن المراد بالإنسان هنا : الكافر ، أو شخص معين ، قيل : هو النضر بن الحارث ، وقيل : أبي بن خلف .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 5 ص 167 .